الشيخ الطبرسي
198
تفسير جوامع الجامع
( وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِيَ الشَّيْطَنُ بِنُصْب وَعَذَاب ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ( 42 ) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأِوْلي الاْلْبَبِ ( 43 ) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِب بِّهِى وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 ) ) ( أَيُّوب ) عَطْفُ بَيان ، و ( إذْ ) بَدَلُ الاشتمالِ منْهُ ، ( أَنِّى ) أي : بأنِّي ( مَسَّنِي ) حكَاية لكلامِهِ الّذي نَادَاهُ بِسبَبِهِ ، ولَو لَمْ يَحْكِ لقَالَ : بأنَّهُ مَسَّهُ ، وقُرئ : ( بِنُصْب ) بضمِّ النُّون ، وبفَتْحِ النُّونِ والصَّاد ( 1 ) ، وضَمِّهَا ( 2 ) ، والنُّصْبُ والنَّصَبُ : التَّعَبُ والمَشَقَّةُ ، كالرَّشَدِ والرُّشْدِ ، والنُّصُبُ : تَثقيلُ " نُصْبُ " ، والعَذَابُ الأَليمُ يريدُ مَرَضَهُ وما كَانَ يُقَاس فيهِ من أَنْواع الوَصَبِ . وقيلَ : النُّصْبُ : الضُّرُّ في البَدَنِ ، والعَذَابُ : في ذِهَابِ الأَهلِ والمَالِ ( 3 ) ، وإنَّما نَسَبَهُ إلى الشَّيطان لِمَا كانَ يُوسْوسُ بهِ إليهِ من تَعظِيمِ ما نَزَلَ بهِ من البَلاَء ويُغريهِ علَى الجَزَعِ ، فالتَجَأَ إلى الله سُبحانَه في أَن يَكْفِيَهُ ذلك بِكَشْفِ البَلاَء . ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ) على تَقْديرِ القَولِ ، أَي : قُلْنا لَهُ : ادفَعْ برِجْلِكَ الأرضَ هذَا ما تَغْتَسِلُ بهِ ( 4 ) وتَشْربُ منه فَيبْرَأُ باطِنُكَ وظاهِرُكَ ، وقيلَ : إنَّهُ نَبَعَتْ عَيْنَانِ فاغْتَسَلَ من إِحْداهُما وشَربَ من الأُخرى ، فَذَهَبَ الدَّاءُ من ظاهِرِهِ وباطِنِهِ بإذْنِ الله ( 5 ) . ( رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى ) مفْعُولٌ لَهُمَا ، والمعنى : أنَّ الهِبَةَ كانَتْ للرَّحمةِ لَهُ وَلتَذْكيرِ أُوْلي الألْبابِ ، لأنَّهُمْ إذَا سَمِعُوا بذلك رَغِبُوا في الصَّبْرِ على البَلاَء .
--> ( 1 ) قرأه عاصم الجحدري والسدي ويعقوب بن إسحاق . راجع شواذّ القرآن لابن خالويه : ص 130 . ( 2 ) أي : " بنُصُب " بضمّتين ، وهي قراءة أبي جعفر المدني والحسن . راجع المصدر السابق . ( 3 ) قاله السدي . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 101 . ( 4 ) في نسخة : " هذا ماءٌ تغتسل به " . ( 5 ) قاله الحسن البصري وقتادة . راجع التبيان : ج 8 ص 568 .